الشيخ محمد هادي معرفة

355

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وكان لهم من الإيمان جناح يرفّون به إلى علّيّين ، وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم ، فإذا هم ينحطّون منها إلى أسفل سافلين : « ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ » . وصدق اللّه العظيم . « 1 » يقال : لهث الكلب ، إذا أدلع لسانه من العطش . قال ابن دُرَيد : اللهث ، يقال للإعياء والعطش جميعا . « 2 » وهو كناية عن النهم الذي لا ينقطع . وهكذا حالة المرابطين بالأرض ، المنقطعين عن السماء ، في لهث دائب ونهم دائم . ومن ثمّ فليس تشبيها بذات الكلب ، وإنّما هو تشبيه بحالة زريّة ! « كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ » « 3 » وهذا أيضا مشهد من مشاهد هبوط الإنسانية من ذروتها العليا إلى الحضيض ، حيث البهيميّة الساقطة . لالشيء إلّا للإعراض عن الهدى واتّباع الهوى ، نكوصا على عقب وها هم أُولاء بنو إسرائيل نكثوا أيمانهم من بعد توكيدها ، ومن ثَمَّ حقّ عليهم جزاء النكول عن عهدهم مع اللّه ، والنكوص عن مقام الإنسان ذي الإرادة . فانتكسوا بهذا إلى عالم الحيوان والبهيمة ، الحيوان الذي لاإرادة له ، والبهيمة التي لاترتفع على دعوة البطون ! انتكسوا بمجرّد تخلّيهم عن الخصّيصة الأُولى التي تجعل من الإنسان إنسانا . خصّيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهد اللّه وبعهد الفطرة . وليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم ، فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم ، وانطباعات الشعور والتفكير تعكس على الوجوه ، والملامح سمات تؤثّر في السحنة وتُلقى ظلّها العميق ! « 4 »

--> ( 1 ) - الأعراف 177 : 7 . راجع : في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص 676 - 677 . ( 2 ) - المفردات للراغب ، ص 455 . ( 3 ) - البقرة 65 : 2 ؛ الأعراف 166 : 7 . ( 4 ) - راجع : في ظلال القرآن ، ج 1 ، ص 99 - 100 .